مواطنة لا تعرف الحدود: مغاربة العالم في العصر الرقمي

عثمان النوينو يتحدث في ندوة بالرباط حول مواطنة مغاربة العالم، تنظيم المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، 25 يوليوز 2026

بقلم: عثمان النوينو


متى يشعر الإنسان بأنه ينتمي حقا إلى وطنه؟ هل عندما يحمل جواز سفره؟ أم عندما يعيش فوق أرضه؟ أم عندما يساهم في بنائه؟

هذا السؤال رافقني منذ صغري. ولدت وكبرت في هولندا، درست بالهولندية، وعملت بالإنجليزية، وتعلمت العربية في البيت مع الوالدة. عشت بين ثقافتين وبنيت مساري المهني خارج المغرب. ومع ذلك، لم يكن المغرب بالنسبة إلي يوما مجرد بلد أزوره في العطلة. كان دائما جزءا من هويتي، ومن طريقة تفكيري، ومن إحساسي بالمسؤولية.

ومع مرور السنوات فهمت شيئا مهما: الانتماء الحقيقي لا يقاس بعدد الأيام التي نقضيها داخل الوطن، بل بالأثر الذي نتركه من أجله.

هذه الفكرة كانت جوهر المداخلة التي قدمتها يوم السبت 25 يوليوز 2026 في ندوة بالرباط حول "مواطنة مغاربة العالم بين المكتسبات والتحديات"، احتضنتها المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير. وللمكان رمزيته: الجيل الذي قاوم من أجل الاستقلال ترك لنا أمانة، وسؤال جيلنا هو كيف نحملها في زمن تغير فيه كل شيء.

المواطنة تغير معناها

قبل ثلاثين عاما، كان من يسكن في هولندا يعمل في هولندا، ومن يسكن في المغرب يعمل في المغرب. المسافة هي التي كانت تحدد الفرص.

اليوم انقلبت المعادلة. مهندس في الدار البيضاء يعمل مع شركة في أمستردام. طالبة في الرباط تتعلم من جامعة في بوسطن. رائد أعمال في طنجة يؤسس شركة تخدم عملاء في الخليج وأوروبا وأمريكا.

التكنولوجيا غيرت طريقة عملنا وتعلمنا وتواصلنا. لكنها غيرت أيضا معنى المواطنة نفسه. فالمواطنة لم تعد مرتبطة فقط بالمكان الذي نعيش فيه، بل بما نقدمه، وبالمعرفة التي ننقلها، وبالأثر الذي نصنعه.

أكثر من تحويلات مالية

عندما يُذكر مغاربة العالم، يتجه الحديث غالبا نحو التحويلات المالية. ولا أحد ينكر أهميتها. لكن أكبر ما يقدمه مغاربة العالم ليس المال، بل المعرفة والخبرة والثقة والعلاقات الدولية، والقدرة على فتح الأبواب للأجيال القادمة.

في عالم التكنولوجيا عندنا مفهوم نسميه الشبكات الموزعة: أنظمة قوتها ليست في مركز واحد، بل في انتشار نقاطها عبر العالم وترابطها.

مغاربة العالم هم بالضبط هذا. شبكة مغربية موزعة على خمس قارات: مهندسون في آيندهوفن، طبيبات في باريس، باحثون في مونتريال، مقاولون في دبي، أساتذة في مدريد. خمسة ملايين نقطة، كل واحدة منها تحمل صورة عن المغرب، وكلما نجحت رفعت مكانته معها.

المشكل الوحيد؟ هذه الشبكة ما زالت غير موصولة ببعضها. الطاقة موجودة، لكنها مبعثرة.

الكفاءة موجودة، والثقة هي التحدي

خلال أكثر من خمسة وعشرين عاما من العمل مع مؤسسات وشركات في دول مختلفة، لم أصادف يوما مشكلة في كفاءة الشباب المغربي. بالعكس تماما: كلما عملت مع كفاءات مغربية، ازداد اقتناعي بأن المغرب يملك طاقات استثنائية.

ما ينقصنا أحيانا ليس الكفاءة، بل الثقة. الثقة في أنفسنا، وفي قدراتنا، وبأننا قادرون على المنافسة عالميا. رأيت مهندسين مغاربة يشتغلون على مشاريع مع أكبر الشركات العالمية، وشبابا بدأوا من الصفر وأصبحوا يقودون فرقا دولية.

الدرس واضح: أكبر استثمار يمكن أن يقوم به أي بلد ليس في المباني ولا في التكنولوجيا، بل في الإنسان.

الذكاء الاصطناعي فرصة، وليس غاية

أعمل في ميدان الذكاء الاصطناعي منذ سنوات، وأبني هذه الأنظمة كل يوم. ومع ذلك أقول شيئا قد يخالف ما يسمعه الناس عادة: الذكاء الاصطناعي لن يبني المستقبل وحده. الإنسان هو الذي سيبني المستقبل.

التكنولوجيا لا تملك قيما ولا ضميرا ولا مسؤولية. هي أداة، والإنسان هو الذي يحدد كيف تُستخدم. التكنولوجيا دون قيادة تنتج الفوضى، ودون أخلاق تفقدنا الثقة. أما حين نستثمر في الإنسان أولا، فإنها تصبح قوة لبناء المستقبل.

وأقولها بصفتي مهندسا يعمل داخل هذه الأنظمة: الأدوات التي نحتاجها لنصل مغاربة العالم بوطنهم كلها موجودة وناضجة ومجربة. الخدمات القنصلية الرقمية، الهوية الرقمية، وحتى المشاركة السياسية عن بعد التي جاء بها الفصل السابع عشر من الدستور. القضية ليست تقنية. القضية قرار وإرادة وتنظيم.

مسؤولية مشتركة

الحديث عن مغاربة العالم لا ينبغي أن يكون في اتجاه واحد.

على مغاربة العالم أن يحافظوا على ارتباطهم بوطنهم، وأن ينقلوا المعرفة، ويفتحوا الأبواب، ويساعدوا الشباب. وعليهم مسؤولية إضافية تجاه أبنائهم: الجيل الثاني والثالث يعيشون على المنصات الرقمية، وإما أن نحضر في هذا الفضاء بمحتوى مغربي راق بلغاتهم وبالجودة التي تعودوا عليها، وإما أن نترك هويتهم تتشكل بأيدي غيرنا. فالانتماء في العصر الرقمي لا يورث تلقائيا، بل يبنى.

وفي المقابل، على المغرب أن يفتح المجال أمام هذه الكفاءات، وأن يصغي إليها ويشركها في التفكير ويستفيد من خبراتها، ليس في المناسبات فقط بل بشكل مستمر. لأننا عندما نجمع خبرة الداخل مع خبرة الخارج، لا نجمع أشخاصا فقط، بل نجمع رؤيتين ونبني مستقبلا أقوى.

اقتراح عملي: شبكة حية للكفاءات

من هنا يأتي الاقتراح الذي قدمته في الندوة: تأسيس شبكة وطنية دائمة للكفاءات المغربية عبر العالم. ليست لقاء سنويا، وليست قاعدة بيانات تنام في درج، بل منصة حية تجمع الجامعات والشركات ورواد الأعمال والباحثين وصناع القرار والكفاءات المغربية في مختلف أنحاء العالم.

وهنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي: الربط التلقائي بين الحاجة والكفاءة. مستشفى في الحسيمة يحتاج خبرة نادرة؟ النظام يجد الطبيب المغربي المناسب في أوروبا خلال ثوان. جامعة تبحث عن أستاذ زائر في تخصص دقيق؟ الشبكة تجيب. شاب في وجدة عنده مشروع ويحتاج مواكبة؟ نربطه بخبير مغربي في ميونيخ أو روتردام، ساعة واحدة في الأسبوع عن بعد قد تغير مساره بالكامل.

هذا ليس حلما. أنظمة مثل هذه تُبنى اليوم لمؤسسات دولية. الفرق الوحيد هو أن نقرر أن نبنيها لبلدنا.

والتوقيت مناسب أكثر من أي وقت مضى: المغرب مقبل على تنظيم كأس العالم 2030 مع إسبانيا والبرتغال، وأنظار العالم كلها ستكون على بلدنا. من سيكون السفراء الرقميين للمغرب في تلك اللحظة؟ نحن، مغاربة العالم، بلغاتنا المتعددة وشبكاتنا المهنية وحضورنا في المجتمعات التي نعيش فيها.

مواطنة لا تسقط بالتقادم

أتمنى أن يأتي يوم لا نتحدث فيه عن "مغاربة الداخل" و"مغاربة الخارج"، لأن هذا التقسيم لم يعد يعكس واقع العالم. نحن اليوم شبكة مغربية عالمية، بعضنا يعيش في المغرب وبعضنا خارجه، لكن مسؤوليتنا واحدة وهدفنا واحد: أن نجعل المغرب أقوى، وأقدر على المنافسة، وأكثر استعدادا للمستقبل.

ولدت في هولندا، وعشت جزءا كبيرا من حياتي خارج المغرب، لكنني لم أشعر يوما أن علي أن أختار بين هويتي المغربية وحياتي في الخارج. تعلمت أن أجعل كل تجربة اكتسبتها وكل معرفة تعلمتها وسيلة لخدمة وطني.

فالمواطنة ليست مكانا نعيش فيه، ولا وثيقة نحملها، ولا شعارا نردده. المواطنة هي أن نشعر بالمسؤولية. أن نعطي قبل أن نأخذ. أن نبني قبل أن ننتقد. وأن نترك أثرا يبقى بعدنا.

اللسان قد يختلط بين اللغات. أما القلب، فلا يختلط أبدا.


عثمان النوينو: أستاذ جامعي، رائد أعمال، وخبير دولي في الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي. مقيم بهولندا. otman.ai